RSS

مَشهَد *ـ


حائراً، وقفت -بين هذه الجموع الكبيرة- في محاولة صَعبة لفهم ما يحدُث؛ الكُل جرى فزِعاً في كل اتجاه، والبراكين اقتربت منّا -كموجة فيضان عملاقة- بسرعة مخيفة. أحدُهم أشار إلى آخر بيده فحَملَهُ، ثم اتجه إليهما آخرون؛ وتكتّلوا فوق بعضهم البعض بخفة، مكوّنين جسداً ضخماً سقَط منه أحدُهم أثناء سيره إلى الأمام -في ثبات- وعبوره إلى الجهة الأخرى. اتجهت إلى أحد المجموعات لأندمج معهم؛ فأسقطني شريط من الأحداث مرّ أمامي بسرعة خاطفة حَمل كل مشاهد الإثم التي أصررت على ارتكابها، حاولت مرة والثانية، والثالثة، لكنني لم أنجح في الاندماج معهم جميعاً بسبب وزني الثقيل. شظية من نار طارت في الهواء باتجاهي، حاولت تجنبها وأنا أجري مبتعداً، غير أنها اخترقت سترتي من الخلف، انطلقت أسرَع، لكنّ الألم -الذي لا يُطاق- ألقاني على الأرض قبل أن يحترق ظهري بفِعل كابوس !.ـ

محمد عُمر

12/6/2011

*مُقتبسة من كابوس رأيته بتاريخ: 23 مايو 2010

الإعلانات
 
تعليق واحد

Posted by في يونيو 12, 2011 in قصص قصيرة

 

المجتمع المدني .. إلى أين ؟


لا شك أن همّ الحكومات الأول هو تلبية “احتياجات المجتمع”، غير أن الدول المتقدمة تنتهج نهجاً آخر، وهو تقليص مساحة إسهام الحكومات في هذا الدور، خاصةً فيما يتعلّق بالاحتياجات الصغيرة والمتوسطة، واستبدالها بدور قوي وفعّال للمجتمع المدني نفسه والمتمثل في “المؤسسات الغير هادفة للربح” (مؤسسات العمل التطوعي)، حتى تنشغل الحكومات بأدوار أخرى أهم وأقوى، بجانب تفعيل قيمة “خدمة الآخرين” و “الدور المجتمعي للفرد في مساعدة من حوله” وبالتالي التقليل من السلبية والفردية (انعزال الفرد عن المجتمع ومشاكله). ولا شك أننا –في هذه الفترة الحرجة – نحتاج بقوة إلى تفعيل دور المجتمع المدني، بحيث نلبّي احتياجات المجتمع وحل المشاكل التي يواجهها الناس في الشارع، خاصةً وأن فترة الفوضى السياسية ستطول إلى أن يتم تفعيل حقيقي للدور الحكومي والمشاريع القومية

 

في الدول المتقدمة تستثمر الحكومات في مؤسسات العمل التطوعي كما تستثمر في البحث العلمي، الصناعة، والتجارة. وفترة الاستبداد التي عايشتها بلادنا طيلة الثلاثين سنة الماضية وأدت دور المجتمع المدني في طريقه للإصلاح الاجتماعي تماماً كما وأدت الدور السياسي في طريقه للإصلاح السياسي

 

ويبدو أنه مع بزوغ شمس يوم 12 فبراير 2011 ، بزغت شمس الحرية من جديد في نفوس المصريين، واتجه الجميع برغبة وحماسة عارمة وطاقة كبيرة نحو فعل “شيء ما” للمساهمة في بناء مصر بلدنا. زادت من تلك الحماسة أغنيات الانتصار، والاحتفالات بنجاح الثورة في إسقاط النظام، لينطلق منذ ذلك اليوم قطاع كبير من الشباب نحو العمل التطوعي

 

وبالمقارنة بما يحدث وبين ما يجب أن يحدث تنشأ “فجوة عارمة وخطيرة”. ما يحدث الآن كما شاهدت وعاينت بنفسي، هو نشوء مجموعات متفرقة متعددة من الشباب باختلاف أفكارهم وثقافتهم تجتمع وتفكر سوياً للإجابة على سؤال: ( ماذا سوف نفعل ؟ ). وفي ذلك ميزة ومجموعة من العيوب، الميزة هو هذه الطاقة الكبيرة وتلك الرغبة نحو الإصلاح الاجتماعي بالتوازي مع الإصلاح السياسي، أما العيوب فيختلف وجودها ودرجتها من مجموعة لأخرى. لهذا قررت أن أرصدها، مع وضع مقترحات لحلها، وصولاً إلى ما يجب أن يحدث، فتقل الفجوة، ذلك أننا نحتاج بشدة أن تسير هذه التجربة في طريق مستقيم لا يستنزف الوقت في أخطاء وقعنا فيها وتعلّمناها بخبرة ضئيلة في هذا المجال منذ خمس سنوات :ـ

سقف أحلام عالٍ

الطبيعي أن ثمة دور أعلى وأقوى للدولة، وثمة دور أدنى ومحدود للمجتمع المدني، والواقع المصري يفرض على المجتمع المدني دوراً أدنى وأقل من الطبيعي بمراحل. لهذا يجب ألا نجعل سقف أحلامنا عالٍ، فلا ننفق الوقت والجهد في التفكير لحل قضايا هي من ملفات الدولة الأساسية، مشكلة البحث العلمي مثلاً، كيف سيسهم المجتمع المدني وفي هذه الأيام في حل مشكلة كبيرة بهذا الحجم ، والدولة أصلاً ليس لديها نظام حاكم بعد سيتناول الملف هذا مع وجود متخصصين؟. نعم .. قد أقدم للدولة أوراق عمل ومقترحات بهذا الخصوص، لكن قلة الخبرة، وحداثة التجربة، ووجود أولويات أخرى تجعلني أنصح من ينفق الوقت على أفكار مثل تلك أن يركز على مشاكل أخرى

 

 

قلة الخبرة

للعمل التطوعي أصول، ومهارات. والشعب المصري مليء بالسلبيات والأفكار الملوّثة التي تحتاج إلى كمية كبيرة من “الديناميت” لنسفها أولاً ثم إعادة هيكلة العقل الجمعي لدينا بما يتوافق مع أبجديات الوضع الجديد الذي لم نتعوّد عليه. ولكي يتمكن الشباب من تحديد المشاكل وترتيب الأولويات والخروج بحلول فعّالة وتنفيذها بنجاح فإن هناك مجموعة من القيَم والمهارات التي يجب أن يتعلموها ويتدربوا عليها، بجانب أهمية التواصل مع الخبراء، واستشارتهم

 

وقد اتفقت مع مجموعة من شباب الثورة لتنظيم حدث بهذا الصدد بالإسكندرية، ندعو فيه كل الراغبين في العمل المدني والتطوعي، بحيث يخرج الشباب من خلال برنامج متكامل بوعي قوي وروح ملهمة، وعقل مستنير بكيفية ابتكار وتنفيذ مشاريع تطوعية قوية تخدم الناس وتلبّي متطلباتهم

 

الجزر المتفرقة

ثمة تشابه بين الأفكار المطروحة في المجموعات المختلفة، غير أن التطبيق يتباين من واحدة لأخرى، مع وجود ثمة ما يميز مضمون الفكرة من واحدة لأخرى، أن تبحث هذه المجموعات أو الأفكار على من يماثلها، والاندماج معها تحت مظلة واحدة تنكر فيها ذاتها وتسعى جميعها في حب مصر، سيجعل للمشاريع والأفكار قوة أكبر

 

وهذا لا يتعارض مع الحكمة الأرجنتينية القائلة:

small is beautiful .

لأن حكمة كتلك نحتاجها في المجموعة التي تخطط وتفكر، أما في مرحلة التنفيذ، فنحتاج إلى أكبر عدد من المتطوعين لزيادة مساحة تلبية الحاجات، وبالتالي زيادة مساحة تأثير المجتمع المدني.

دور مؤسسات العمل التطوعي القائمة (والقوية) يتجلّى هنا بوضوح، نظراً لخبرتها. عليها أن تعمل على جذب تلك الطاقات نحوها، بمشاريع قوية، ونظم إدارية جيّدة، وحملات دعائية قوية، وألا تشتت الناس عن استمرار مرحلة هدم بقية النظام ومحاربة الفساد، وتحثهم على العمل –بالتوازي- في تفعيل المجتمع المدني وتلبية احتياجات الشارع كمطلب حيوي وهام من مطالب بناء النظام.

 

التداخل في الأدوار

قد تكون مخططاً ناجحاً، او صاحب أفكار عبقرية، لكنك أقل نجاحاً وعبقرية على الأرض. التخطيط له شخصياته وعقلياته، وكذلك التنفيذ. لهذا يجب أن ننبته جيداً لتوزيع الأدوار، وعدم الخلط بينها، فيضيع الوقت والجهد، وتخرج مشاريع ضعيفة، او تزداد الخلافات بين الفريق الواحد. وهذه المهمة تقع على كاهل المدير، الذي لا يشترط بالضرورة أن يكون هو نفس الشخص الذي قام بتكوين الفريق، ولا يشترط أن يكون المدير شخص واحد، المهم أن يتواجد من ينتبه لهذه النقطة بالفريق

 

ضعف مستوى الحوار

أكبر مشكلة قد تواجه أي فريق في أي مكان هو ضعف مستوى التواصل والحوار، من المفترض أن بداخلنا رغبة عارمة للتغيير، لذا فأول خطوات التغيير هو تغيير علاقتنا بأنفسنا وبمن حولنا وبما حولنا، يظهر التغيير جيداً في مستوى الحوار الذي يتحدث به أعضاء الفريق بعضهم ببعض، وفي طريقة تناولهم للأفكار المختلفة، فلا يفرض أحدهم على المجموعة فكرة ما لأنها –فقط- فكرته، ولا يرفض آخر فكرة أحدهم –الرائعة جداً- حسداً أو غروراً. أن يضع الفريق أمام عينيه جيداً قيمة الاختلاف ويحافظ عليها أول علامة على نجاح أي فريق

 

سطحية الرؤى، والتفكير داخل الصناديق المغلقة

تنظيف الشوارع شيء مهم وجميل، وتبييض الجدران أيضاً عمل رائع وإنساني ومهم، لكننا لن ننفق كل جهودنا وأوقاتنا في مشاريع بهذا المستوى من العمق. ثمة مشاكل فقر وبطالة وجهل ومرض يعاني منها الناس، نحتاج أن نفكر أكثر بهموم البسطاء، ونخترع حلولاً فعّالة وجديدة وخارج الصندوق على المدى القريب وأخرى على المدى البعيد لحل هذه المشاكل

 

خيري أم تطوعي .. تطوعي أم خيري ؟

الحكمة القديمة تقول: لا تعطني سمكة، بل اعطني شبكة. الآن نحن نحتاج أكثر من أي وقت آخر أن نعلّم أحدهم حرفة الحدادة او السباكة أو النجارة، وأن نوفر له عملاً أكثر -بآلاف المرات- من أن نجمع له تبرعات، أو نقول خطبة في المسجد، أو وعظاً في الكنيسة، أو حملة توعية في التلفاز، أو أغنية في حب مصر. علينا أن ننزل أكثر إلى العمق، ونتعامل مع المشاكل بواقعية وجديّة. إن كان التضييق الأمني قديماً سبباً في تقزُّم الدور التطوعي وتحوُّله إلى خيري، فليس هناك أي مبرر لأن نفكر بالأسلوب القديم

 

سياسي أم اجتماعي .. اجتماعي أم سياسي ؟

إذا انخرطنا جميعنا في السياسة فسنضر الإصلاح السياسي أكثر من أي وقتٍ مضى. وكذلك في العمل الاجتماعي. على كلٍ منا أن يعي جيداً أين يجب أن يكون، وماذا يمكن أن يقدم، أن يعي إمكانياته جيداً قبل أن يتقدم خطوة واحدة للأمام. الإصلاح السياسي والإصلاح الاجتماعي مهمان، ووحدك أنت من يقرر حسب موقعه ومعرفته وثقافته وقدراته أيهما أولى وبأي درجة من الأولوية

 

 

 

 

في النهاية، كانت العقبة الأمنية وصعوبة إيجاد ممولين أكبر سببين أديّا إلى تعطيل الدور المدني، وأعتقد أن ارتفاع سقف الحرية إلى مالا نهاية هذه الأيام، بجانب عطش بعض الممولين والشركات إلى تجميل صورهم أمام الناس، أو التسويق لمنتجاتهم فيما يعرف بالـ

Social Marketing

وعطش آخرين من الممولين الذين يرغبون حقيقةً في بناء البلد ، أسباب كفيلة لأن نتمسّك بالفرصة جيداً ولا نفلتها من أيدينا بفترة كبيرة من الأخطاء والمشاريع الصغيرة. صحيح أنه ستكون –كما أتوقع- فترة انتقالية للمجتمع المدني ليجرّب ويخطأ ويتعلّم من أخطائه، لكن أرجو ألاّ تدوم هذه الفترة طويلاً، والا يتحوّل المجتمع إلى مجموعة من النسخ الصغيرة المكررة، وأن تتشكل ثقافة عمل تطوعي قوية وجديدة على العالم كله

 

 

 

محمد عمر

2/3/2011

 

 

نجيب محفوظ يكتب: بين الدين والدنيا


كل حكومة هي حكومة دينية على نحوٍ ما، لا أعني بذلك أن تكون السلطة بين رجال الدين، او بيد شخص يدّعي لنفسه العصمة، أو أنه ظل الله على الأرض، وغير ذلك من الأقنعة التي يتخفى تحتها الاستبداد، ولكن من ناحية المضمون الأخلاقي الذي تلتزم به في معاملاتها وتشريعاتها. ذلك أن الدين من الناحية التاريخية هو المعلم الأخلاقي الأول للبشرية، وأنه ما من حكومة إلا وتلتزم في دستورها وقوانينها بالسائد من الأخلاق والتقاليد والقيم، ولذلك يمكن أن نعدها حكومة دينية من ناحية المضمون، حتى إن نحّت الدين جانباً أو نبذته نبذاً.

ومن هنا نجد في الدستور السوفيتي قيماً دينية الأصل، كالمساواة، والعدالة، كما نجد في عقوباتها ما يشبه الحدود أو ما هو أشدّ. أجل إنه عند التطبيق تحدث فجوة بين ما ينبغي أن يكون وبين ما هو كائن، وقد يستشري الفساد فتتسع الفجوة حتى تطمس الصفة الدينية أمام الأعين، وخاصةً أعين المتطلعين إلى المثَلِ الأعلى، فيشتد بهم الغضب، ويُكَفّرون الجميعَ –دولةً وشَعباً- ويتخطون في غضبهم المألوف والقانون، وينادون بحكومة دينية كوسيلة للتطهير والتقدم.

والواقع أن الحكومة المنشودة قائمةٌ بالفعل، وإن توارى جوهرها تحت الأتربة المتراكمة، وقد يعيدها إلى أصلها الإصلاح العميق الشامل الذي يعني في النهاية تضييق الفجوة أو سدّها، وإعادة النظر في بعض الأمور، وتغيير بعض العناوين. وإذا نفذ ذلك بالحكمة والإدراك السليم وفهم روح الدين والاستجابة لمقتضيات العصر جازَ لنا أن نأمل في حياة جديدة فيها الخير كل الخير للناس أجمعين، وعندنا من أهل الخبرة والاعتدال من يؤكدون ذلك، وقد أعلنوا رأيهم مراراً وتكراراً، وهو أن الفارق بين القوانين القائمة والأخرى التي يُطالب بها الآخرون قليل، وأن الاجتهاد كفيلٌ بالتوفيق بين الثوابت والمتغيرات. وإذا كان ذلك كذلك فلماذا نقف عند حد المناقشة ولا نتجاوزه إلى حيز التنفيذ ؟. لماذا لا نخرج من جو القتامة والشك إلى نور النهار السافر المؤيد بالمصلحة العامة وحقوق الإنسان والوحدة الوطنية.

 

بين الدين والدنيا – مقال لـ: نجيب محفوظ

16/6/1988

 

نجيب محفوظ يكتب: رجل الساعة


كيف يكون التفكير ؟ وكيف يكون السلوك ؟

إننا لا نفكر في فراغ، ولا في رَغَدٍ من العيش، ولكن في غمار تحديات اقتصادية، وسياسية، وفكرية، وكونية تجعل من حياتنا توتراً مستمراً، وخَطَراً داهماً، وتطالبنا ببذل جميع ما نملك من حكمة وخبرة لنقرر مصيرنا نحو مستقبل حافل بكافة الاحتمالات. فعلينا جميعاً –شعباً وأحزاباً ودولة- أن نستحضر الجو المحدق بنا كلما فكرنا أو عزمنا على إصدار قرار، علينا أن نركز على المصلحة العامة، وأن نتوخى السبيل إلى سلامة الوطن، وأن نتجاوز عمّا تقتضيه منافسات الحياة المألوفة، وما تثيره الخصومات المشروعة في الظروف العادية، وما تغري به المناورات الحزبية، ففي زمن الخطر يجب أن يتغير التفكير والقرار، وتتوجه النوايا نحو هدفٍ واحد، هو الخلاص، مع كل ما يتطلبه من تضحية ونكران للذات. وهيهات –إن وقعت الواقعة- أن يهنأ خصمٌ باندحار خصمه، او يشمت مناضل بهزيمة غريمه.ـ

قد تجد الحكومة نفسها في مركز القوة، وترى أن تستأثر بكل شيء، وأن تتمادى في الخصام والكبرياء.ـ

وقد تجد المعارضة نفسها في مأزق، فلا حرية في الحركة، ولا ثمرة لجهد، ولا تداول في الحكم، وأنها تصرخ في وادٍ، وتمضي إلى طريقٍ مسدود.ـ

فهل تقابل العناد بالتطرف، والكبرياء بالعداوة السافرة، يجوز ذلك، بل يجب في الظروف العادية، أما اليوم فإن الموقف أكبر من ذلك وأشدّ. إنه موقف الحكمة والتضحية، ولن يفوز فيه من ينكل بالخصم أو يوقعه في عواقب سَوْآتِه، ولن يظفر بالبطولة ذكيٌ أو مُناوِرٌ أو داهية، ولكن الوطن والتاريخ ينتظران البطل الحكيم الفدائي المنكر للذات، الذي يتقدّم الصفوف مستهدفاً غاية وحيدة، هي سلامة الوطن.ـ

رجل الساعة – مقال لـ نجيب محفوظ

7/7/1987

 

نجيب محفوظ يكتب: الحلم والواقع


حلمي الجميل الذي لا أتخلى عنه أن أرى شعبنا يستيقظ، أن يستيقظ شعبنا فيسترد وعيه وإرادته ، وأن يتملك قوته وسلطانه ، وأن يصبح مصدر السلطات ، وحاكم الحُكّام ، ومُحرّك الأحداث ، فيسود القانون، وتتقدس حقوق الإنسان، ويتلاشى الانحراف، وينطلق الإنتاج والإبداع، ليذهب عهد الأوصياء إلى الجحيم، فقد حل عهد ديمقراطية وحرية، كانوا أوصياء مزيفين. كانوا هم أنفسهم في أشد الحاجة إلى الوصاية والأوصياء.ـ

 

جربنا –قبل وبعد الثورة- الوصيّ العميل، والوصي الوطني الثائر، والوصي السياسي اللبق، فاختلفت النوايا، وتنوعت الأهداف، ولكن حقت الهزيمة والخطيئة على الجميع، لأن الوصاية الرشيدة لا تكون إلا للشعوب. في عهد الوصايا المتتابعة –قبل وبعد الثورة- استشرى الاستعمار، وضاع الاستقلال، ومُنّينا بالهزائم والفساد، وغرقنا في بحار القروض، وفَتَك الغلاءُ والإرهاب بالكرامة والأمان، ولولا التماعاتٌ من يقظة الشعب فرقت ومضاتها السماء المظلمة على فترات من التاريخ ما بُعثنا من المقابر ولا تصدينا للمقادر.ـ

انهض يا شعبنا العزيز واستيقظ. اسحق عادتك السيئة في تعليق سوء حظك بنظامٍ أو رجل. لا تنكر نصيبك من المسئولية مهما جل شأن الخصم أو بطشه. أنت مسئولٌ عن ضياع التجربة الديمقراطية الماضية. أنت مسئول عن فشل التجربة الاشتراكية. لولا صبرك ما تهادى ظالم أو تمادى طاغية. وَاجِه الحقيقة. وَاجِه الحقيقة واعترف واندم وتُبْ، واسترد حقك الشرعي، والتمس بكل سبيل، والله معك.ـ

 

 

 

الحلم والواقع . مقال لـ نجيب محفوظ

نُشر بتاريخ: 29/9/1988

 

 

 

انتبه . الثورة ترجع إلى الخلف


كما كنتَ واحداً من أهم أسباب نجاح دور الثورة في إسقاط النظام القديم، قد تكون أنت -الآن- أكبر خطر على نجاح دور الثورة في بناء نظام جديد . وبالمثل، فأحدهم الذي كان من المعترضين على تلك الفوضى (على حد وصفه)، وكاد بسلبيته (على حد وصفك) أن يدمّر ما تفعلوه لإسقاط النظام القديم، هو -الآن- أهم شخص مناسب لنجاح ما يجب فعله لبناء نظام جديد !ـ

 

 

 

غياب مفهوم النقد عن المجتمع المصري طيلة الثلاثين سنة السابقة، سواء في النظام الحاكم، والحزب السياسي، والأعمال السينمائية والأدبية، والمؤسسة، والشركة، والجمعية الخيري، والمدرسة، أو حتى المنزل كان أحد أركان الفساد التي عانى منها المصريون جميعاً. من هذا المبدأ، أنتقد مستوى الحوار المسيء للثورة ، والذي وقع ومازال يقع فيه قطاع كبير جداً من شباب كل الأطراف. أحدهم مثلاً شارك في الثورة من أول يوم لآخر يوم، وتعرّض للضرب والسحل والسهر والاعتقال والظلم، بينما كان أصدقاؤه يقولون له كل يوم “كفاية مظاهرات” ويصفونه بـ”خيانة الوطن”، وأنه لا يفهم شيئاً، ويتهمونه بزعزعة الاستقرار، والتأكيد على أن هذه المطالب لن تتحقق بل ستضر بالدولة اقتصادياً وسياسياً، فكان الطرف الاول في جانب المدافع وكان الثاني في طرف المهاجم. وبعد نجاحه مع أمثاله الثوّار في إسقاط النظام انقلبت الأوضاع، فأصبح المهاجم مدافعاً، والمدافع مهاجماً ! ، فهل حققت الثورة مكتسبات حقيقية بهذه الطريقة ؟

 

 

ظاهرة أن الجميع أصبحوا يتحدثون في السياسة، شيء جميل، لكنه مزعج أيضاً !. جميل لأننا لم نعد نتحدث عن الخلافات الفقهية العقيمة، والأفلام التافهة، والفريق الكروي الأقوى. ومزعج لأن الغالبية العظمى منّا لا نعرف شيئاً عن علوم السياسة والقانون بدرجة تجعلنا ننقد ونعترض -ع الفاضية والمليان- على كل قرار أو رأي سياسي أو دستوري منسوب لمن يشتغلون بهذا الحقل أصلاً ، بل ونتخذ مواقف متشددة بناءاً على آرائنا أيضاً . يذكرني ذلك بزبائن الصيدلية التي كنت أعمل فيها منذ عامين، كان يدخل أحدهم ليعترض على وصفة أصفها له لأنه سمع هذه المعلومة من أحد أقربائه، وكأنّ الشعب المصري كله قد تخرّج من كلية الصيدلة !ـ

 

 

علينا إذن أن ننتبه إلى أن ثمة مساحة من الاتفاق نقف عليها جميعاً، أشياء يجب ألا نفعلها، بينما ثمة مساحات أخرى من الإختلاف، ما يجب فعله الفترة القادمة. إذن يجب أن ننتبه إلى أمرين: ـ

 

ـ1-الشعرة الفاصلة بين “النفاق والخيانة والمؤامرة” و “الجهل” ، دعونا نعترف أننا لم نمارس سياسة من قبل، وأننا نعاني من مشكلة “فوبيا العلم والكتاب”، بالتالي لا تتهم بالنفاق والخيانة والمؤامرة من تراه مختلف معك سياسياً في الإجابة على سؤال: كيف ندير أزمة المرحلة القادمة؟، الجهل ليس مشكلة في حد ذاته، كلنا جهلاء، أنا وأنت جهلاء، وقد تجد “عامل نظافة” يفهم سياسة أفضل منّي ومنك، دائماً المشكلة مع “المكابرة”، إن أهم ما لائم مرحلة إسقاط النظام هو نجاحنا في كسر صنم “الخوف”، وأعتقد أن أهم ما يلائم المرحلة الحالية هو نجاحنا في كسر هذا الصنم، صنم “المكابرة”ـ

 

ـ2- أنه ليس هناك طريقاً واحداً صحيحاً لتحقيق مكتسبات الثورة، بينما قد يكون هناك طريقاً واحداً -تعرفه- لتحقيق مكتسبات الثورة، فلا داعِ أن نستبدل “مبارك” واحد قبل 25 يناير بـ”ثمانين مليون” مبارك آخر بعد 25 يناير !ـ

 

 

 

فهل نعود جميعاً إلى الهدوء، وإعادة ترتيب الأوراق، والتركيز على سؤال: لماذا قامت الثورة؟ ، والإيمان بإمكانية أكثر من حل، فنعيد إحياء سنة “النقاش” بيننا، وفرض “قبول الإجابات الأخرى”، وأن نعيد النظر في ما نؤمن به من أفكار ومباديء؛ وأن نصبر على الناس؟ ، ذلك أن التشكك والنقد أهم سلوك تقويمي تحتاجه الثورة هذه الأيام

 

 

قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ | صدق الله العظيم

 

 

 

 

محمد عمر


 

 

 

ما الحَل ؟


كانت رواية “شرق النخيل” لبهاء طاهر أول ما جال بخاطري منذ اللحظات الأولى لنزولي الشارع يوم الثلاثاء 25 يناير ، هذه الرواية كانت ملهمتي، وكانت تجيب على كثير من الشكوك بداخلي في جدوى ما نقوم به، هل سيفيد وجودي بين المتظاهرين الذين نزلوا إلى الشارع بالملايين مطالبين بإسقاط النظام؟، فكانت الإجابة تقفز أمامي سريعاً: لو أجاب كل شخص على هذا السؤال بـ”لا” لما نزل أحد للشارع، ولما نجحت الثورة في تحقيق ما لم نكن نتصوره إلا في الروايات، وأحلام اليقظة.ـ

من الكلمات التي أنارت في ذاكرتي تزامناً مع بعض الأحداث التي أحزنتني الأيام السابقة تلك العبارة التي تقول: ” يا صديقي فى داخل كل شعب جماعه تنبح وراء من يلقى لها العظمة، وهل تريد ما هو أكثر؟ ، في داخل كل إنسان ذلك الكلب الذي ينبح والمهم أن نخرسه”ـ

مرة أخرى تحلق كلمات بهاء طاهر أمامي تعليقاً على سؤال: ماذا بعد ؟ من خلال روايته “قالت ضحى” التي أنارت أحد أركان مخي الهادئة ..ـ

قالت ضحى : ” الظلم لا يبيد .. ما الحل ؟ – أن تحدث ثورة على الظلم . نعم تحدث تلك الثورة ، يغضب الناس فيقودهم ثوار يعدون الناس بالعدل. و يبدءون بقطع رأس الحية، ولكن سواء كان هذا الرأس اسمه لويس السادس عشر أو فاروق الأول أو نوري السعيد، فإن جسم الحية على عكس الشائع، لا يموت، يظل هناك، تحت الأرض، يتخفى، يلد عشرين رأساً بدلاً من الرأس الذي ضاع، ثم يطلع من جديد. واحد من هذه الرؤوس اسمه حماية الثورة من أعدائها، و سواء كان اسم هذا الرأس روبسيير أو بيريا فهو لا يقضي، بالضبط، إلا على أصدقاء الثورة . و رأس آخر اسمه الاستقرار، و باسم الاستقرار يجب أن يعود كل شيء كما كان قبل الثورة ذاتها. تلد الحية رأساً جديداً، و سواءً كان هذا الرمز نابليون أو ستالين فهو يتوج الظلم من جديد باسم مصلحة الشعب. يصبح لذلك اسم جديد، الضرورة المرحلية .. الظلم المؤقت إلى حين تحقيق رسالة الثورة. و في هذه الظروف يصبح لطالب العدل اسم جديد يصبح يسارياً أو يمينياً أو كافراً أو عدواً للشعب بحسب الظروف.”ـ

 

وهذا ما نحتاجه الآن على رأس الأولويات، محاربة جسم النظام بعودة كلٍ منّا إلى مكانه ومحاربة الفساد ورؤوسه في كل زوايا المجتمع، وفي أنفسنا، فالنظام قد خلّف فينا نظام من القيم الفاسد، وليس أمامنا خيار آخر –إذا أردنا الحياة- إلا بنسف تلك المنظومة القيميّة الفاسدة، وإحلالها بمنظومة قيميّة أخرى نابعة من أخلاق الفطرة السليمة التي تقوم على الحرية والمطالبة السلمية بالحقوق والأداء المتقن للواجبات، والاحترام المتبادل بين الناس. والنظام أيضاً قد خلّف في كل مدرسة ومصلحة حكومية وغير حكومية مجموعة من الرؤساء والمديرين الذين يفتقدون للكفاءة ويمتصون الدماء من عروق مرؤوسيهم وفرض آرائهم المتخلفة، ولا خيار آخر أمامنا إلا بمحاربة الفساد والرشوة والمحسوبية والقمع والتخلف بطرق سلمية تتمثل في الاحتجاجات والاعتصامات والدعاوي القضائية، بحيث لا يتعطل سير المرور والحياة في الشوارع ويُجبر المسئولون على الالتزام وإلا فليرحلوا كما رحل رئيسهم الكبير. كما أن دور الطلبة في الجامعات هام جداً، يتمثل هذا الدور في إنشاء “اتحادات طلابية” على أساس الانتخاب والديمقراطية، ثم لتتبنى تلك الاتحادات رؤى حقيقية تتجاوز مرحلة الأنشطة الطلابية إلى مرحلة المشاريع التي ترقى بالمهن المختلفة كالطب والصيدلة والهندسة ..الخ، بحيث تربط بين إدارة الجامعة والنقابات وسوق العمل، وتفتح حواراً مع الطلبة لتتلقى أفكاراً وتضع حلولاً للمشاكل التي تواجههم.ـ

ولا نغفل ضرورة الاستجابة إلى دعوات الحشد الكبيرة، إذا تطلّب الأمر ذلك، فلا يشعر النظام القديم وإعلامه الذي مازال موجوداً أن سياسة النفس الطويل معنا ستكون لصالحه.ـ

 

لقد انتهى عصر السلبية، وليس أمامنا إلا التهلكة، أو الاشتراك في تشكيل حضارة ستغيّر وجه العالم، وكما قالت ضحى: “لا يضيّع الدنيا الذين مع أو الذين ضد و لكن يضيّعها المتفرّجون”.ـ